صحيفة الكترونية يومية تهتم بالشأن السياسي والثقافي في الساحة العربية

ا
القائمة الرئيسية

محرك البحث



تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

المتواجدون حالياً

ا

الكتاب العرب » الأخبار والمقالات » القسم الاجتماعي » الجنس.. هل يمكن أن يكون حاجة مؤجّلة؟


الجنس.. هل يمكن أن يكون حاجة مؤجّلة؟


تقول الحقائق العلميّة أنّ نشاط الغدد الجنسيّة لدى كلّ من الجنسين في مرحلة البلوغ لها تأثيراتها النفسيّة والروحيّة على كلّ من الشاب والفتاة.
(الكسيس كارل) يرى أنّ هذه الغدد تؤثر في القدرات الروحيّة.. يعتقد أنّ الفنانين والشعراء الكبار والقديسين والغزاة كانت لديهم رغبات جنسية شديدة، وإنّ إزالة هذه الغدد على البالغين أدّت إلى تغييرات في حالاتهم النفسيّة، وإلى فقدان شخصيتهم بالتدريج، وفي المقابل فإنّ إزالة المبيض عند النساء أدّى إلى إصابتهنّ بالكآبة، فقدان قسم من نشاطهنّ الفكري والحس الأخلاقي.
إذاً، ما أودعه الله فينا من غريزة جنسية له تأثير جسدي ونفسي فينا أيضاً، كما تقدّمت الإشارة إلى التلازم الجسدي والنفسي في كيان الانسان، فهذه الغريزة تخلق الرغبة بالزواج وإنجاب الأولاد وتكون الأسرة وتواصل الأجيال.
ومن بين ما أثبتته الدراسات النفسية إضافة إلى أنّ المراهق في تغيّر من الناحية العضوية، ما جاء في أبحاث العالم (هاروكس) في كتابه (علم نفس المراهق) من أنّه – أي المراهق أو المراهقة – غير ناضج من الناحية العاطفية، وذو تجربة محدودة، وتابع للوسط البيئي ثقافياً، يريد كلّ شيء، لكنّه لا يعرف ما يريد، يتصوّر أنّه يعلم كلّ شيء، لكنّه لا يعلم شيئاً.. يعيش في حلم وخيال.. إنّه ثملٌ واعٍ ونائم صاح.. والفتاة المراهقة تقضي أكثر وقتها لوحدها، وتميل إلى الإستغراق في أفكارها بعيداً عن الآخرين.. أي أن تعيش في عالم خاص.
ومعنى (يريد كلّ شيء لكنّه لا يعرف ما يريد) أي أنّه كثير الطلبات والمتوقعات، لكنّه لم يحدِّد بُعد وجهة نظره أو هدفه بشكل حاسم.. ألا ترين إنّك تريدين أن تصبحي طبيبة مرّة، ومعلِّمة مرّة، وكاتبة مرّة، إلى أن يأتي اليوم الذي تحسين فيه اختيارك لصالح عمل أو حرفة أو مهنة ترين نفسك فيها أكثر..
وأمّا القول: (يتصوّر أنّه يعلم كلّ شيء لكنّه لا يعلم شيئاً) لا يعني أنّ المراهق جاهل تماماً، لكن معرفته لا تزال محدودة، لأن تجربته في الحياة قصيرة، وكلّما عمّر أطول تكشّفت له الحقائق أكثر، وعرف (واعترف) أيضاً أنّه حينما كان يتصوّر بعض الأشياء بنحو معيّن، كان (ساذجاً) و(طفولياً) وقليل الخبرة، وربمّا يضحك على بعض تصرّفاته أو تخيلاته وتصوراته التي كان يظنّ أنّها هي الحقيقة المطلقة.
أمّا قضاء بعض أوقاتك وحيدة، وأنّك تميلين إلى الإستغراق في بعض الأفكار بعيداً عن الآخرين، فهو شيء إيجابي أيضاً.. هذا يعني أنّكِ بدأتِ تفكرين.. نشاطك العقلي والذهني بدأ يتسع، وإنّما تطلبين (الخلوة) و(الإعتكاف) أحياناً للتأمّل الباطني والنظر فيما حولك.. لك الحقّ في ذلك، على أن لا تتحول تلك الأوقات إلى استغراق تامّ وانعزال طويل وشرود كلّي.
خذي وقتك في التأمّل.. لكن ارجعي إلى الواقع بعد كل رحلة تأمّل.. أضيفي شيئاً من الواقعية على أحلامك وتصوراتك، لا تستلمي كريشة في مهبَ الريح للخيال يذهبُ بكِ إلى حيث يشاء.. فقد يُلقي بكِ في المتاهات والمزالق.
الأنبياء.. المفكِّرون.. الأُدباء.. الكُتّاب.. الفنّانون.. يحتاجون إلى فترات من التأمّل، لكنّهم يتأمّلون في ما ينبغي عمله وتحقيقه، وليس في ركوب بساط الريح ليقلّهم على جناحه إلى حيث يريدون.. أو يديرون (خاتم سليمان) ليأتيهم بكل ما يشتهون، أو يفتحون القمقم السحري ليحضر الجنّي الذي يهتف: (شبيك.. لبيك.. عبدكِ بين يديك.. مرني أُطيعكِ).
الحياة – يا أيّتها المرأة الجديدة – فيها (الواقعي) وفيها (الخيالي).. ومن فضل الله تعالى علينا ونعمته أن رزقنا نعمة التخيّل.. لأنّها تخفّف بعض آلام الواقع الذي نعيشه، لكن التخيّل كالعقاقير لابّد أن تؤخذ بنسبتها المعقولة، وإلاّ فإنّها إذا زادت ضرّت.
نعم، يمكن أن تنطلقي من المتخيّل لتحسين الواقعي، وهذا هو أفضل حالات التخيّل أو السياحة الذهنية.
هنا لابدّ أن نقف وقفة واعية لندرس التأثير الذي تتركه التغييرات الجنسية في حياتنا، لنتعامل معها بشيء من العلمية وشيء من الواقعية أيضاً.
1- الغدد الجنسية (بالنسبة للشباب) والمبيض (بالنسبة للفتاة) جزء من التكوين الجسدي لكلّ منهما، ولمّا أعدّ كلٌّ منهما له، أي أنّ لهما موقع خاصّ ووظيفة خاصّة في الجسد، ولهما إفرازات معيّنة، ولكن الغرائز ليست في قياس واحد، فهناك مثلاً فرق بين غريزة الجوع (الحاجة إلى الطعام) وغريزة الجنس (الحاجة إلى المعاشرة)، هناك يموت الإنسان إذا لم ولا يعاشر الجنس الآخر.
غريزة الجوع تتحرّك ذاتياً وتلقائياً، إذ تدقّ جرس الإنذار في معدتنا كلّما شعرنا بلذعة الجوع أو حاجة الجسد إلى الغذاء، أمّا غريزة الجنس فتتحرّك بتحريض ذهني أو دفع خارجي.. أي أنها تحتاج إلى مثير ومؤثِّرة أو محرِّض حتى تنفعل، وإذا لم يحصل هذا فهي تبقى راقدة راكدة، فهي أشبه شيء ببعض الحيوانات المفترسة إذا هاجمته استثرته فهاجمك، وإذا تحاشيته سكت عنك..
علمياً ثبت أنّ الرغبة الجنسية هي عملية (ذهنية) أكثر منها (جسدية).. فعلى سبيل الفرض لو أنّ إنساناً تناسى غريزته الجنسية تماماً وانشغل عنها في أمور أخرى انشغالاً كلّياً، لما وجد الحاجة أو الرغبة لممارسة الجنس، فالمريض الراقد في فراش المرض لا يستغني عن الطعام ولذلك يزرق له في الوريد إن لم تكن معدته مستعدة لاستقباله، لكنّه لا يحتاج إلى الجنس طوال فترة مرضه، فالفرض السابق ليس مجرد افتراض، بل أمر واقعي مُعاش ومجرّب.
2- دلّت أحدث النظريات العلمية الحديثة على أنّ إدخار أيّة قوّة غرائزية جنسية أو غير جنسية – كقوة الغضب والإنفعال مثلاً – على عكس ما كان سائداً ومتصوراً من أنّها تسمِّم الجسم أو تصيبه بالمرض، بل تفيد في رفد وتغذية القوى البدنية الأخرى ومنها العقليّة، أي أن تقنين استخدام الغرائز والتحكم فيها يوظفها فيما يُسمّى علمياً بـ(تحويل القوى) ولذلك فالذين يفرطون في استخدام غرائزهم الجنسيّة، تضعف قواهم الأخرى، ممّا يؤكِّد صحّة هذه النظرية، وحين نسوقها هنا لا ندعو لتعطيل الموهبة الإلهيّة، بل نطرحها كجزء من ثقافة جنسية متكاملة.
3- شاءت حكمة الله في الخلق والإبداع أن لا يخلق جهازاً ولا غدّة إلاّ ولها وظيفة معيّنة وقد حدّد لكل جهاز وظيفته المشروعة والتي تلبيّ حاجته، فجعل الزواج هو طريق تلبية الرغبات الجنسية بين الجنسين، ولإستمرار النسل البشريّ، وما عداه طرقاً معوجّة وملتوية وغير مقبولة شرعاً (بإمكانكِ أن تجري دراسة مقارنة بينَ ما تسببت به الحياة الجنسية غير الشرعية من أضرار ومساوئ وجرائم ومفاسد وأمراض، وبين ما تحقِّقه الحياة الجنسية الزوجية من سكينة واستقرار وراحة بال ودفء الحياة وبهجتها).
4- أراد الله تعالى للشباب وللفتاة أن يبتعدا عن أجواء الإثارة، فليست الفتاة وحدها المطالبة بإرساء أجواء العفّة، بل الشاب أيضاً، وكلّما تقلّصت أجواء الإثارة خفّت حدّة التوتر الغرائزي، أو ما يصطلح عليه البعض بـ"حالة الطوارئ الجنسية".
في أكثر من استبيان لعينات من فتيات عربيات ومسلمات حول تأثير وسائل الإعلام في تأجيج الرغبة الجنسية، أكّدت نسبة 80% منهنّ أنّ مشاهدة الأفلام المثيرة تُلهث هذه الرغبة عندهنّ، ولذلك فإن معنى (ولا تقربوا الزِّنا) أو (لا تقربوا الفواحش) هو أن لا تحوموا حولها لأنّكم إذا فعلتم وقعتم في حفرها ومطبّاتها ومزالقها ومهاويها وبعض (الوقوع) ليس وراءه (خروج)!
5- التجارب الواقعية دلدت على أنّ أفضل العفّة للفتيان والفتيات على السواء هي الزواج، ولمّا كانت ظروف الزواج ليست ميسّرة دائماً، بل هي صعبة أو (مصعّبة) في أكثر الأحيان، فإنّ إلتزام العفّة لحين التمكُّن من الزواج شرط وإن كان صعباً إلى حدٍّ ما إلاّ أنه بلا بديل.
إنّ تجربة مريم(ع) ليست تجربة خاصّة بأُم السيد المسيح(ع)، هي نموذج قرآني أو مثل أعلى لكل فتاة مسلمة تريدُ الحفاظ على عفافها وسمعتها ودينها وأخلاقها، ولذلك قال عنها تعالى في مورد ضرب المثل لكلّ النساء: (وَ ضرَبَ اللهُ مثلاً لِلَّذينَ آمَنُوا.. ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم/ 12).
فهي مؤمنة بما أنزل الله ومطيعة ومخلصة لله وملتزمة بما أراده تعالى منها.
هي ليست تجربة العزوف عن الزواج (لخصوصية النذر والوقف في قصة مريم لتكون فتاة المعبد)، لكنّها بالتأكيد قصة (العفاف) الذي هو ممكن طالما أنّ امرأة مؤمنة كمريم حافظت عليه أشدَّ المحافظة: (يا ليتني مِتُّ قبلَ هذا وكنتُ نسياً منسيّاً).
فحتّى في الغرب الذي تشيع فيه الفاحشة واللقاءات الجنسية المحرّمة، نجد هناك دعوات لإلتزام العفّة، وإنّ بعض الفتيات يرفضن أي عمل جنسي غير مشروع قبل الزواج.
6- ليست العلاجات المطروحة لتأمين الاستقرار النفسيّ قبل الزواج من قبيل توثيق العلاقة مع الله تعالى، وطلب العلم، والإنشغال بإبداعات ونتاجات ومواهب أدبية فنّية ورياضية.. هي مجرد "مسكّنات".. هي علاجات حقيقية، لكنّ المريض الذي لا يأخذ الدواء بحسب توصية الطبيب من حيث التوقيت وجرعة الدواء والالتزام بالتوصيات المرافقة لذلك، يجب أن لا يلوم الطبيب على وصفته بأنّها لم تكن شافية، بل يجب أن يلوم نفسه على عدم الأخذ بشروطها، فأيّ دواء مهما كان فعّالاً لا يفعل إلاّ إذا تمّ تعاطيه وفق التعليمات المنصوص عليها صحّياً.
7- ولكي تتضح الصورة أكثر، إعلمي أنّ هناك مدرستان متناقضتان في فهم دور الغريزة الجنسية في حياتنا، وكلاهما منحرفتان عن الاتجاه السليم والصحيح:
المدرسية المسيحية (الرهبانية) التي قمعت الغريزة قمعاً قاسياً ظنّاً منها أنّها الطريق للبناء الروحيّ، متجاهلة أنّ الله أودعها فينا لا ليعذّبنا بها، وإنّما لنضعها في مكانها الصحيح.
والمدرسة الإباحيّة (الفرويدية) التي اعتبرت الغريزة الجنسية هي محور الحياة بكلّ طاقاتها وتفاعلاتها ونشاطاتها ومشاكلها، والتي ترى أنّ الأمراض العصبية ناشئة وناتجة عن عدم إشباع الرغبة للجنس. وهذه المدرسة نشأت على أعقاب المدرسة الأولى، أي كردّة فعل عنيفة لها، ففي حين تجاهلت الأولى دور الغريزة في حياة الإنسان، واعتبرت العلاقة بين الرجل والمراة عملاً حيوانياً سيِّئاً ومشيناً وقذراً وشريراً، فتحت الثانية الأبواب على مصاريعها، لتخالف كلٌّ منهما الطبيعة الإنسانية، ممّا ترتب على كلا المنهجين أو النظريتين نتائج وخيمة.
الإسلام كدين وتربية وأخلاق ومنهج حياة، وقف موقفاً وسطاً، فلم يعتبر المعاشرة الجنسية عملاً حيوانياً، بل اعتبر ذلك من لذائذ الحياة الطبيعية التي أباح الله تعالى للإنسان أن يستمتع بها ضمن خط مرسوم وثابت ومعلوم: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف/ 32).
فالغريزة الجنسية منظور إليها من ناحية المشرِّع الإسلامي نظرة اعتدال وتوازن، فلم يكبتها ولم يقمعها، بل دعا إلى تلبيتها بالطريق السويّ الذي يخلو من المطبّات والأمراض والفساد الاجتماعي، ولكنّه لم يطلق لها العنان أيضاً لتعبِّر عن نفسها بالطريقة التي يعبِّر فيها الشبّان والفتيات في الغرب عن (حيوانية) الغريزة بعيداً عن أبعادها (الإنسانية) و(الإجتماعية) و(الأخلاقية)، فاعتبر المقاربة وسيلة (التناسل) وليس فقط وسيلة استمتاع، إذ لو توقّف النسل لانقطعت الحياة، كما اعتبر الانسياق وراء الشهوات واستهلاكها العابث يضعف من إبداعات الإنسان ونموّه وتكامله، إذ لابدّ من اعتماد قاعدة الإعتدال والتوازن.
خلاصة ما نودّ أن نقوله هنا، أنّ الحياة الجنسية قابلة للتأجيل المؤقت، أي لحين تكونين مستعدة – من الناحية المبدئية – لإدارة بيت الزوجية: (حسن التعامل مع الزوج) وحسن إعداد وتربية الأولاد) ولذلك فنحن لا نستطيع أن نحدِّد لذلك عمراً زمنياً معيّناً، فقد ينجح زواج ويفشل آخر لتوافر هذا الشرط أو نقصه من غير أن يكون العمر محدداً.
إنّك حينما تصومين في شهر رمضان تمتنعين عن (الأكل الحلال) حتى يتوفر، ولذلك فـ(الكنترول) أو جهاز السيطرة بيدكِ وإن وسوس الشيطانُ لكِ إنّكِ لا تملكين صبر على ذلك، فضبط الغريزة يعني عدم اطلاقها للحريّة الضارّة (فاللجام والعِقال والمِقود والكابح) بيد الفارس والجمال والسائق لا بيد الفرس والجمل والسيارة!

المشاركة السابقة : المشاركة التالية
إضافة تعليق
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص :
طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :

التبليغ بالبريد الإلكتروني نعم لا
تفعيل السيرة الذاتية نعم   لا

ا
مقالات أخرى للكاتب

مقالات مختارة

Powered by: Arab Portal v2.1, Modified and Style by: www.arabwriters.net, Copyright© 2009
40