حين نتحدث عن الخطاب الإسلامي فلا نعني قصر مفهومه على النواحي اللغوية و الأساليب التعبيرية و الإنشائية أو الجوانب الفنية في الصياغة و الإلقاء . بل إلى جانب ذلك فإن تركيزنا بالدرجة الأولى ينصب على البنية الفكرية و المنهجية و المضمونية لهذا الخطاب .
إن المتابع لخطابنا الديني الإسلامي يلاحظ إن إهتماماته بدأت تضيق في العقود الأخيرة . فقد أخذت مساحة القضايا المعاصرة تتقلص ، كما بدأت مسألة ترسيخ الإلتزام الديني الواعي المنفتح على متطلبات العصر تنحسر و تتراجع من سلم أولوياته . إن بعض العناوين الهامة تكاد تكون مغيبة عن تناوله أو لا تحظى بالحصة الكافية التي تستحقها مقارنة بغيرها . و على سبيل المثال ، نشير إلى بعضها : المشروع الإسلامي للحياة ، ماذا يقدم الإسلام لمعالجة مشكلات البشرية ؟ إدارة الإختلاف الفكري ، التقارب و التحاور والتعايش بين المسلمين ، العلاقة مع الآخر غير المسلم ، مراجعة فقه المرأة و العلاقة بينها و بين الرجل ، دورها الإجتماعي و السياسي و الفكري ، ما الذي يقدمه الفقه الإسلامي لرفع التعسف في تعامل الرجل معها ؟ نظرية الحكم في الإسلام ، الشورى و الولاية و الديمقراطية ، الإجتهاد و التجديد ، مواكبة الفقه الإسلامي لمتغيرات الحياة ، تأثير الزمان و المكان في الإجتهاد الفقهي ، مراجعة مناهج الإجتهاد و مبانيه ، تأصيل العلاقة بين الفقه و معطيات العلم ، الثابت و المتغير في الفكر الإسلامي ، مسألة العدالة و المساواة و الكرامة الإنسانية و الحريات و حقوق الإنسان و كيف تتجلى في الفقه الإسلامي ، تأصيل مسألة المواطنة و تكييفها الفقهي الشرعي ، الموقف من العولمة بالأخص في شقها الثقافي و الإجتماعي ، علاقتنا مع الغرب و نظرتنا إلى الغرب السياسي و الفلسفي و الحضاري ، المثاقفة والإقتباس و الإختراق الثقافي ، الفكر الإجتماعي لأهل البيت (ع) ، إسهامات أهل البيت في تصحيح المسار الفكري الإسلامي ، كيف نتعامل مع تراثنا الفقهي الأصولي و الرجالي و التفسيري و الكلامي والفلسفي و التاريخي ؟ و ما إلى ذلك من قضايا و مفاهيم فكرية حيوية .
لقد استغرقت منابرنا و نتاجاتنا الفكرية في الشأن الفردي الضيق و طغت عليها النظرة الفردية و غلبت على إهتماماتها مشكلات الفرد المسلم بدلا من البحث في الأزمات المجتمعية العامة التي ولدتها الحياة المعاصرة بمؤثراتها و مكوناتها المتنوعة .
إن جانبا من المعالجات الفقهية المعاصرة تتجه لحل المشكل الفردي المحدود و ذلك بتقديم تخريجات و حلول ثانوية و حيل لرفع أو تخفيف الحرج عن كاهل الفرد المسلم ليوائم في الحدود الدنيا بين ضغوطات الحياة و مستوجبات الإيمان . و هناك اتجاهات تكرس المواقف السلبية وتتحسس من كل جديد و تؤثر الإنكفاء تحت دعاوي سد الذرائع و درء الفتنة و ما شابه .
إن رسائلنا العملية الفقهية على أهميتها الوظيفية و عظم الدور المرتجى منها ، لا تكاد تؤدي إلا جزء يسيرا من دورها ، بسبب صياغاتها الجامدة و تعبيراتها المغلقة . فعلى الرغم من انها أعدت لتخاطب الجماهير المسلمة غير المتخصصة في علوم الفقه و الأصول ، أو لنقل إن أغلب المتلقين و المتعاملين معها هم من الناس العاديين أو من العوام ، و من ثم فهم لم يألفوا على التعامل مع اللغة الفقهية العلمية و لم يعتادوا على فهم مصطلحات الفقهاء و أساليبهم في الكتابة ، و مع ذلك نجد ان كثيرا من هذه الرسائل تغفل هذا الحقيقة ، الأمر الذي يجعل المسلم العادي يواجه صعوبة غير عادية في فك ألغازها و تفسير رموزها ، من قبيل : يجوز فعل كذا و الأحوط تركه . و هو يعني الجواز ، و الترك المذكور هو على نحو الإحتياط الإستحبابي لأنه مسبوق بفتوى الجواز ! أو الأحوط الإتيان بفعل كذا . و يعني عليه فعله من باب الإحتياط الوجوبي ، لأنه غير مسبوق بفتوى و لا ملحوق بفتوى ! و هكذا بالنسبة للظاهر و الأظهر و ما فيه تأمل أو يجوز على تأمل و ما شابه ، مما لا يشجع الأفراد العاديين لكي يقبلوا عليها . قد يقال بأن على المسلم الحريص على فهم أحكام دينه أن يتعلم تلكم الأحكام و يتمرس في التعامل مع هذه الأساليب . و هذا قد يكون صحيحا ، و لكنه مع ذلك لا يسهم في جعل الرسالة العملية الفقهية في متناول الجميع . و لهذا نقول ما الذي يمنع المعنيين بهذه الرسائل من أن يعدوها بأساليب واضحة و تعبيرات سهلة و أمثلة معاصرة مفهومة بحيث تجذب أكبر قدر من الناس إلى قراءتها و تعينهم على فهمها و استيعابها تمهيدا لتطبيقها ؟ إن من الضرورة بمكان متابعة الرسائل العملية و تحديثها بصورة مستمرة ، و استكمال بيان الموقف الشرعي من المعاملات الحديثة و القضايا المستجدة الكثيرة فيها ، حتى تغدو مستوعبة لأكبر قدر من المسائل الفقهية التي يحتاج إليها الناس في هذا العصر .
و إذا انتقلنا إلى المشكلات الأسرية و التربوية ، فنلاحظ إن كثير من المقاربات فيها يغلب عليها الطابع النظري التجريدي و تقتصر على المنحى النصائحي و الوعظي ، و تخلو من التحليل و البحث المتعمق لوضع اليد على العوامل المسببة لها تمهيدا لمعالجتها .
و أضحت المسألة العقدية تعرض في كثير من الأحيان لدحض الفكرة المخالفة أو رد ما يعرف بالشبهات و التساؤلات المضادة و طبقا لمنهج الإلزام و الإفحام ، و في بعض الأحيان ، تجدها مستغرقة في تطويع بعض الفلسفات الوافدة و تطبيعها بالطابع الإسلامي .
أما تاريخ المسلمين فلا ينظر إليه كمسيرة متحركة مغياة خاضعة لقوانين و سنن تاريخية إجتماعية ، يتطلب و عيها و استيعابها و التعمق فيها لمواجهة التحديات المعاشة ودرء و يلات الفتن و الصراعات المفتعلة. فتاريخنا كثيرا ما يطرح بوصفه مجرد حوادث ووقائع ماضية أنتجها أناس غلبت عليهم الخيرية و المثالية .فدرس التاريخ هو بمثابة رحلة إلى الماضي و ليس بهدف التطلع إلى نظرة استشرافية للمستقبل في ضوء تجارب الماضيين و استنتاج الدروس و العبر من إخفاقاتهم و نجاحاتهم . أما الأزمات و الصراعات الدموية التي عايشها تاريخنا ، فإن تبعاتها و مسؤولياتها تلقى على كواهل أطراف خارجية و جهات أجنبية دخيلة على قاعدة الإستهداف والتآمر .
أما المناهج النقدية و البحثية التي أسهم أئمة الفقه و الأصول و الحديث و التاريخ في إنتاجها و تطويرها ، فلا يكاد يعبأ بها في أحيان كثيرة ، بل جل إهتمام الكتاب و الباحثين ينصب على تحشيد المصادر و تجميع المنقولات دون تعريضها لأي تدقيق أو تمحيص أو غربلة أو نقد داخلي أو خارجي . وفي بعض الأحيان ينتقي الدارس منها ما يؤيد آراءه المسبقة و يرمي ما يخالفها بالشذوذ و المروق لمخالفتها لهذا الإتجاه الفكري أو ذاك .
على صعيد آخر ، تنشغل كثير من المواقع الإكترونية الدينية في شبكات المعلومات ، في استدعاء الخلافات و الصراعات التاريخية ، و تهرول المطابع و دور النشر باتجاه إحياء التراث الفكري و الثقافي المتراكم منذ عصور الإجتهاد و الجمود و الإنحطاط ، و دونما تمييز بين غثه و سمينه . و تتنافس معارض الكتاب على تقديم أدبيات التعامل مع الجان و المردة و السحرة و معالجة العين و إبطال مفعول السحر و فك الطلاسم و حرقها و طب الأولياء ، و تفسير الإحلام و تأويل الرؤى و في عرض قصص العجائب و الغرائب .
إننا نسترعي نظر المهتمين بشؤون الثقافة و الفكر في دولنا العربية
و المسلمة بأن إغراق المجتمع بمثل هذه المواد يستبطن دعوة الأجيال إلى مغادرة الواقع الثقافي و السياسي و المعرفي الراهن ، و استدعاء مشكلات السالفين و أزمات الماضيين لمعايشتها و الإستغراق فيها و تمثل أدوارها .
و في المقابل تنشط مراكز البحث التي تبشر بالحداثة و العلمانية و اللبرالية في إعداد دراسات تحليلية تمس قضايا فكرية و سياسية و إجتماعية و إقتصادية راهنة ، و ترفد المكتبة العربية بمركبات فكرية و فلسفية و قيمية معينة ، بصرف النظر إن كانت تتفق مع ثقافة الأمة و قيمها و تنسجم مع دينها و أصولها . بل أخذت بعضها على عاتقها تقديم قراءاة و تأويلات مستندة على مزيج من فكر الإستشراق و الحداثة و ما بعد الحداثة للنصوص الإسلامية معتبرة إياها فتحا و تجديدا غير مسبوقين !
من المؤسف ان أجيالنا لا تزال تبحث عن ضالتها الفكرية في الأعمال الفكرية لرواد النهضة و من تلاهم من علماء و مفكرين مصلحين أمثال جمال الدين الإفغاني و محمد عبده و شلتوت و كاشف الغطاء و محمد حسين الطباطبائي و باقر الصدر و المطهري و مالك بن نبي و الغزالي و شمس الدين . و السؤال الذي يفرض نفسه هنا ، هو : هل يمكن القول بأن الفكر الإسلامي لم يتقدم كثيرا في بنيته المنهجية و أدواته البحثية و اهتماماته عما تركه أولئك الرواد ؟ صحيح لقد لمعت بعض الأسماء و برزت بعض القامات الكبيرة في فضاء الفكر الإسلامي و في سماء الإجتهاد الإسلامي ، لكن مع كل التقدير لمجهوداتها ، فإنها في المحصلة النهائية تظل فردية و مبعثرة في الغالب و لا تخلو من تكرار . و لا بد هنا من التنويه إلى أننا لا نهدف إلى التقليل من أهمية الإسهامات الفكرية – رغم محدويتها – التي تبذل من قبل بعض المؤسسات و المجامع العلمية و الفقهية لإغتناء الفكر الإسلامي و إثرائه . و لكننا نود أن نسترعي نظر المعنيين بشؤون الفكر الإسلامي إلى عواقب إغفال الأسئلة الفكرية و المعرفية المعاصرة و تجاهل طرح الحاجات الفقهية الملحة للناس بالصورة الملائمة لخطاب و عقلية و منهجية العصر . لقد غدا العالم متصلا إتصالا وثيقا عبر الأقمار الصناعية و الفضائيات و شبكات المعلومات . إن هناك كثيرا من المشكلات و التحديات التي تواجه خطابنا الديني الإسلامي ، سواء من حيث الشكل أو المضمون و الكم أو النوع .
هناك العديد من الإشكاليات الفكرية التي تثور لدى الجيل المعاصر ، و تسبب له كثيرا من القلق و الإرتباك و الحيرة ، لأنها تلامس واقعه ووجوده و مستقبله و مصيره و هويته ووطنه و مجتمعه و أمته و دينه ، و كيفية المواءمة بينها و بين متطلبات العولمة الزاحفة و منظومة القيم و الإنساق الإجتماعية التي تروج لها و أنماط العلائق و المفاهيم الثقافية التي تسعى إلى فرضها .
لقد حان الوقت لإنشاء مراكز بحثية متخصصة تستقطب الكفاءات المختصة في مختلف حقول الفكر الإسلامي من علوم القرآن و الفقه و الحديث و العقيدة و غيرها ، إلى جانب بعض المجالات العلمية المساندة ، إجتماعية و تربوية و اقتصادية و قانونية و كذا مناهج البحث و فلسفة العلوم لدراسة و اقع المسلمين عبر منهجيات علمية و باستخدام أساليب القياس و أدوات الرصد الحديثة لرسم صورة دقيقة عن مستوى الإلتزام و الوعي و تحديد الإحتياجات الفكرية و تلمس الأسئلة و الإشكاليات الفكرية و العملية المطروحة فيها .
إن على الحوزات العلمية و الجامعات و المعاهد الإسلامية أن تأخذ على عاتقها فكرة الإنفتاح و الإطلاع على مختلف المناهج الفكرية و البحثية بغية الإفادة من أحسنها ، و دراسة مدى إمكانية إضافتها إلى إيجابيات و حسنات المناهج المعهودة لديها . إن المترقب من حوزاتنا العلمية لأن تعد العدة و تسعى نحو تخريج فقهاء مفكرين و مفكرين فقهاء يعنون و يهنمون بمختلف شؤون الفكر و الفقه و الثقافة و المجتمع ، حتى يتسنى لهم تقديم نتاجات مبدعة و إجتهادات مسنيرة من شأنها أن تغني المناهج و العلوم الإسلامية و تحقق الثراء لعموم الفكر الإسلامي .
لقد غدا مهما إيجاد منتديات فقهية و فكرية و حلقات بحثية لتداول مختلف القضايا و المشكلات الفقهية و الحياتية المستجدة بشكل مشترك بين أهل الفقه الشرعي و ثلة مؤمنة من الخبراء و المختصين في بعض الفروع العلمية ذات العلاقة بالموضوات المبحوثة . إذا كان الإجتهاد الجماعي موضع جدل – حسب بعض المناهج - من ناحية مدى حجية نتائجه على مستوى التقليد ، مضافا إلى كيفية التعامل مع إختلاف المباني و الإتجاهات البحثية ، فإن البحث و التداول الجماعي للقضايا المستحدثة – على الأقل - من شأنه أن يوصل إلى معرفة أعمق بالموضوعات الخارجية و دراية أوفر بالحوادث الواقعة و الوقائع المتجددة ، و من ثم إلى رؤى و مقاربات فقهية و فكرية مدروسة بشكل مكثف .
إن المأمول من أهل الفقه و الفكر و الإجتهاد الإسلامي أن يقتربوا من واقع المشكلات و التحديات التي تعايشها مجتمعاتنا حتى يتسنى لهم أن يقدموا لها رؤى و إجابات و مقاربات و معالجات تلامس الواقع المعاش .
إن إسلامنا يحمل مشروعا كاملا للحياة و قرآننا دستور شامل يقدم رؤية كونية تنسجم مع الفطرة و توازن بين الروح و الجسد و توائم بين الدنيا و الآخرة . فهل يقبل من الخطاب الإسلامي أن يقصر إهتمامه على جانب من الكتاب و يغفل الجانب الآخر ؟